سيد قطب
3505
في ظلال القرآن
كان الرجل في الجاهلية يغضب لأمر من امرأته فيقول : أنت عليّ كظهر أمي . فتحرم عليه ، ولا تطلق منه . وتبقى هكذا ، لا هي حل له فتقوم بينهما الصلات الزوجية ؛ ولا هي مطلقة منه فتجد لها طريقا آخر . وكان هذا طرفا من العنت الذي تلاقيه المرأة في الجاهلية . فلما كان الإسلام وقعت هذه الحادثة التي تشير إليها هذه الآيات ، ولم يكن قد شرع حكم للظهار . قال الإمام أحمد : حدثنا سعد بن إبراهيم ويعقوب ، قالا : حدثنا أبي ، حدثنا محمد بن إسحاق ، حدثني معمر ابن عبد اللّه بن حنظلة ، عن يوسف بن عبد اللّه بن سلام ، عن خويلة بنت ثعلبة . قالت : فيّ واللّه وفي أوس بن الصامت أنزل اللّه صدر سورة المجادلة . قالت : كنت عنده ، وكان شيخا كبيرا قد ساء خلقه ، قالت : فدخل علي يوما فراجعته بشيء فغضب ، فقال : أنت علي كظهر أمي . قالت : ثم خرج فجلس في نادي قومه ساعة ، ثم دخل علي ، فإذا هو يريدني عن نفسي ، قالت : قلت : كلا والذي نفس خويلة بيده ، لا تخلص إلي وقد قلت ما قلت حتى يحكم اللّه ورسوله فينا بحكمه . قالت : فواثبني ، فامتنعت منه فغلبته بما تغلب به المرأة الشيخ الضعيف ، فألقيته عني . قالت : ثم خرجت إلى بعض جاراتي فاستعرت منها ثيابا ، ثم خرجت حتى جئت رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - فجلست بين يديه ، فذكرت له ما لقيت منه ، وجعلت أشكو إليه ما ألقى من سوء خلقه . قالت : فجعل رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - يقول : « يا خويلة ابن عمك شيخ كبير فاتقي اللّه فيه » قالت : فو اللّه ما برحت حتى نزل فيّ قرآن ؛ فتغشى رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ما كان يتغشاه ، ثم سري عنه ، فقال لي : « يا خويلة قد أنزل اللّه فيك وفي صاحبك قرآنا » . . ثم قرأ علي - : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ ، وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ » . . إلى قوله تعالى : « وَلِلْكافِرِينَ عَذابٌ أَلِيمٌ » . . قالت : فقال لي رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « مريه فليعتق رقبة » . قالت : فقلت : يا رسول اللّه ما عنده ما يعتق . قال : « فليصم شهرين متتابعين » . قالت : فقلت : واللّه إنه لشيخ ما له من صيام . قال : « فليطعم ستين مسكينا وسقا من تمر » . قالت : فقلت : واللّه يا رسول اللّه ما ذاك عنده . قالت : فقال رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - : « فإنا سنعينه بعرق من تمر » . قالت : فقلت يا رسول اللّه وأنا سأعينه بعرق آخر . قال : « قد أصبت وأحسنت فاذهبي فتصدقي به عنه ، ثم استوصي بابن عمك خيرا » . قالت : ففعلت « 1 » . فهذا هو الشأن الذي سمع اللّه ما دار فيه من حوار بين رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - والمرأة التي جاءت تجادله فيه . وهذا هو الشأن الذي أنزل اللّه فيه حكمه من فوق سبع سماوات ، ليعطي هذه المرأة حقها ، ويريح بالها وبال زوجها ، ويرسم للمسلمين الطريق في مثل هذه المشكلة العائلية اليومية ! وهذا هو الشأن الذي تفتتح به سورة من سور القرآن : كتاب اللّه الخالد ، الذي تتجاوب جنبات الوجود بكل كلمة من كلماته ، وهي تتنزل من الملأ الأعلى . . تفتتح بمثل هذا الإعلان : « قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها . . . » فإذا اللّه حاضر هذا الشأن الفردي لامرأة من عامة المسلمين ، لا يشغله عن سماعه تدبيره لملكوت السماوات والأرض ؛ ولا يشغله عن الحكم فيه شأن من شؤون السماوات والأرض ! وإنه لأمر . . إنه لأمر أن يقع مثل هذا الحادث العجيب ، وأن تشعر جماعة من الناس أن اللّه هكذا معها ، حاضر شؤونها ، جليلها وصغيرها ، معنيّ بمشكلاتها اليومية ، مستجيب لأزماتها العادية . . وهو اللّه . . الكبير
--> ( 1 ) رواه أبو داود في كتاب الطلاق من سننه من طريقين عن محمد بن إسحاق بن يسار . . والعرق ستون صاعا .